الشيخ محمد هادي معرفة

121

التفسير الأثرى الجامع

وهل كان الفرزدق غير قرد * أصابته الصواعق فاستدارا « 1 » فقد علم أنّ موسى لم يكن حين غشي عليه وصعق ميّتا ؛ لأنّ اللّه - جلّ وعزّ - أخبر عنه أنّه لمّا أفاق قال : تُبْتُ إِلَيْكَ « 2 » . ولا شبّه جرير الفرزدق وهو حيّ بالقرد ميّتا ، ولكن معنى ذلك ما وصفنا . ويعني بقوله : وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ : وأنتم تنظرون إلى الصاعقة التي أصابتكم ، يقول : أخذتكم الصاعقة عيانا جهارا وأنتم تنظرون إليها « 3 » . وقال في تأويل قوله تعالى : ثُمَّ بَعَثْناكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ يعني بقوله : ثُمَّ بَعَثْناكُمْ ثمّ أحييناكم . وأصل البعث : إثارة الشيء من محلّه ، ومنه قيل : بعث فلان راحلته : إذا أثارها من مبركها للسير ، كما قال الشاعر : فأبعثها وهي صنيع حول * كركن الرعن ذعلبة وقاحا « 4 » والرعن : منقطع أنف الجبل ، والذعلبة : الخفيفة ، والوقاح ، الشديدة الحافر أو الخفّ . ومن ذلك قيل : بعثت فلانا لحاجتي : إذا أقمته من مكانه الذي هو فيه للتوجّه فيها . ومن ذلك قيل ليوم القيامة : يوم البعث ، لأنّه يوم يثار الناس فيه من قبورهم لموقف الحساب . ويعني قوله : مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ من بعد موتكم بالصاعقة التي أهلكتكم . وقوله : لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ يقول : فعلنا بكم ذلك لتشكروني على ما أوليتكم من نعمتي عليكم بإحيائي إيّاكم استبقاء منّي لكم لتراجعوا التوبة من عظيم ذنبكم بعد إحلالي العقوبة بكم بالصاعقة التي أحللتها بكم ، فأماتتكم بعظيم خطئكم الذي كان منكم فيما بينكم وبين ربّكم . وهذا القول على تأويل من تأوّل قوله قول ثُمَّ بَعَثْناكُمْ ثمّ أحييناكم .

--> ( 1 ) ديوانه ( ص 209 ) من قصيدة أوّلها : ألا حيّ الديار بسعد إنّي * أحب لحبّ فاطمة الديارا وبعد البيت الذي ذكره الطبري : وكنت إذا حللت بدار قوم * رحلت بخزية وتركت عارا وقوله : « استدار » يعني تحوّل إنسانا بعد أن كان قردا . ( 2 ) الأعراف 7 : 143 . ( 3 ) الطبري 1 : 412 - 414 . ( 4 ) أبعثها : يعني ناقته . وصنيع حول : يعني رعت حولا حتّى سمنت .